الآلوسي
306
تفسير الآلوسي
بغتة بل لهم موعد * ( لَنْ يَجدُوا مِنْ دُونه مَوْئلاً ) * قال الفراء : أي منجا يقال وألت نفس فلان نجت وعليه قول الأعشى : وقد أخالس رب الدار غفلته * وقد يحاذر مني ثم ما يئل وقال ابن قتيبة : هو الملجأ يقال وأل فلان إلى كذا يئل وألا ووؤولاً إذا لجأ والمعنى واحد والفرق إنما هو بالتعدي بإلى وعدمه ، وتفسيره بالملجأ مروي عن ابن عباس ، وفسره مجاهد بالمحرز ، والضحاك بالمخلص والأمر في ذلك سهل ، وهو على ما قاله أبو البقاء : يحتمل أن يكون اسم زمان وأن يكون اسم مكان ، والضمير المجرور عائد على الموعد كما هو الظاهر ، وقيل : على العذاب وفيه من المبالغة ما فيه لدلالته على أنهم لا خلاص لهم أصلاً فإن من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص والنجاة . وأنت تعلم أن أمر المبالغة موجود في الظاهر أيضاً ؛ وقيل : يعود على الله تعالى وهو مخالف للظاهر مع الخلو عن المبالغة ، وقرأ الزهري * ( مولاً ) * بتشديد الواو من غير همز ولا ياء ، وقرأ أبو جعفر عن الحلواني عنه * ( مولاً ) * بكسر الواو خفيفة من غير همز ولا ياء أيضاً . * ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ) * * ( وَتلْكَ الْقُرَى ) * أي قرى عاد . وثمود . وقوم لوط . وأشباههم ، والكلام على تقدير مضاف أي أهل القرى لقوله تعالى : * ( أَهْلَكْنَاهُمْ ) * والإشارة لتنزيلهم لعلمهم بهم منزلة المحسوس ، وقدر المضاف في البحر قبل * ( تلك ) * وكلا الأمرين جائز ، وتلك يشار بها للمؤنث من العقلاء وغيرهم ، وجوز أن تكون القرى عبارة عن أهلها مجازاً ، وأياً ما كان فاسم الإشارة مبتدأ و * ( القرى ) * صفته والوصف بالجامد في باب الإشارة مشهور والخبر جملة * ( أهلكناهم ) * واختار أبو حيان كون * ( القرى ) * هو الخبر والجملة حالية كقوله تعالى : * ( فتلك بيوتهم خاوية ) * وجوز أن تكون * ( تلك ) * منصوباً بإضمار فعل يفسره ما بعده أي وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم * ( لَمَّا ظَلَمُوا ) * أي حين ظلمهم كمافعل مشركو مكة ما حكى عنهم من القبائح ، وترك المفعول إما لتعميم الظلم أو لتنزيله منزلة اللازم أي لما فعلوا الظلم ، و * ( لما ) * عند الجمهور ظرف كما أشير إليه وليس المراد به الحين المعين الذي عملوا فيه الظلم بل زمان ممتد من ابتداء الظلم إلى آخره . وقال أبو الحسن بن عصفور : هي حرف ، ومما استدل به على حرفيتها هذه الآية حيق قال : إنها تدل على أن علة الإهلاك الظلم والظرف لا دلالة له على العلية ، واعترض بأن قولك أهلكته وقت الظلم يشعر بعلية الظلم وإن لم يدل الظرف نفسه على العلية ، وقيل لا مانع من أن يكون ظرفاً استعمل للتعليل . * ( وَجَعَلْنَا لمَهْلكهم ) * لهلاكهم * ( مَوْعداً ) * وقتاً معيناً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فمفعل الأول مصدر والثاني اسم زمان ، والتعيين من جهة أن الموعد لا يكون إلا معيناً وإلا فاسم الزمان مبهم والعكس ركيك . وزعم بعضهم أن المهلك على هذه القراءة وهي قراءة حفص في الرواية المشهورة عنه - أعني القراءة بفتح الميم وكسر اللام - من المصادر الشاذة كالمرجع والمحيض وعلل ذلك بأن المضارع يهلك بكسر اللام وقد صرحوا بأن مجيء المصدر الميمي مكسوراً فيما عين مضارعه مكسورة شاذ . وتعقب بأنه قد صرح في " القاموس " بأن هلك جاء من باب ضرب ومنع وعلم فكيف يتحقق الشذوذ فالحق أنه مصدر غير شاذ وهو مضاف للفاعل ولذا فسر بما سمعت ، وقيل : إن هلك يكون لازماً ومتعدياً فعن تميم هلكني فلان فعلى تعديته يكون